العمل في بيئة مخاطر متزايدة:
واصل الصحفيون في اليمن العمل في بيئة تتنامى فيها المخاطر بصورة متزايدة. فقد استمرت السلطات في فرض المزيد من القيود على ممارسة المهنة، وتعرض العشرات من الصحفيين لاعتداءات جسدية، وكان آخرون عرضة للاعتقال والخطف، وشنت السلطات حملات منسقة تنوعت بين إيقاف الصحف ومصادرتها وحجب المواقع الاليكترونية، وجرجرة عديد صحفيين للمحاكم بتهم خطيرة، كما استمرت في تقديم عديدين أمام محكمة أمن الدولة.
لقد كان 2009 العام الأسوأ بالنسبة للصحفيين والصحافة من بين الأعوام الأخيرة. حتى نهاية العام سجل مرصد الحريات في النقابة أكثر من 150 حالة انتهاك تعرض لها الصحفيون والعاملون في مجال الإعلام بوسائله المختلفة، عكست كيف أن مهنة الصحافة باتت تنشط في بيئة خطيرة وغير آمنة بصورة متزايدة.
خلافا للوعود الحكومية بتحسين مناخ الحريات وبيئة عمل الصحافة، واجه الصحفيون المزيد من القيود، واستعادت الحكومة تاريخا من الممارسات الشمولية التي كانت سارية في عهود ما قبل التعددية السياسية وحرية الصحافة التي أكد عليها دستور دولة الوحدة عام 1990. استخدمت السلطات الاضطرابات التي تشهدها المحافظات الجنوبية ذريعة لقمع الصحافة وممارسة عديد انتهاكات، فقد أخضعت الصحف للرقابة المسبقة، وجرّمت تناول الأحداث التي تشهدها البلاد في بعض المحافظات المضطربة في الجنوب، وأجهضت محاولات مهمة في سبيل تحسين التشريعات وسن قوانين تسهل لوسائل الإعلام الحصول على المعلومات، وشنت حملة معاكسة في هذا الجانب، حيث دفعت بمشاريع قوانين تهدف إلى محاصرة الإعلام والحد من حريته، ومنح المزيد من الصلاحيات للأجهزة الحكومية والأمنية في الرقابة على الصحافة وأجهزة الإعلام.
الانتهاكات:
من بين تلك الانتهاكات، هناك نحو 25 حالة اعتداء وقعت على صحفيين يعملون في وسائل إعلامية متعددة. بالإضافة إلى عدد من الحالات استخدم فيها المهاجمون السلاح والمتفجرات، كما حصل مع صحيفة "الأيام" المستقلة الصادرة من عدن. هناك 15 حالة أخذت صورة الاعتداء الجسدي، والضرب، مع مصادرة وتكسير معدات العمل (آلات تصوير وتسجيل). في أغلب الأحيان كانت سلطات الأمن أو مسؤولون ومرافقوهم هم المتورطين في ارتكاب تلك الاعتداءات، ما يعكس حالة العداء والتحريض ضد الصحفيين في صفوف قوات الأمن من قبل سلطات البلاد المختلفة. وفي حالات محدودة كان الفاعلون مجهولين.
اتخذت السلطات من الاضطرابات التي تشهدها المحافظات الجنوبية، ذريعة لشن المزيد من الحرب على الصحافة، وكانت تواجه إخفاقها في معالجة المشاكل المتفاقمة هناك، بتوجيه المزيد من النقمة نحو الصحافة بأشكال متعددة، في محاولة لحجب صورة ما يحدث عن الرأي العام، وحرمان الجمهور من الاطلاع على مجريات أحداث مهمة وخطيرة بالنسبة للبلد.
خلال أبريل ومايو من العام الفائت، شنت وزارة الإعلام أوسع عملية مصادرة وإيقاف للصحف على خلفية تغطية ونشر أخبار وكتابات رأي عن الاضطرابات في الجنوب، واعتقل العديد من الصحفيين على ذمة نفس السبب، في حين قُدم العديد من الصحفيين للمحاكمات، واعتقل آخرون بصورة غير قانونية، وأودعوا السجن لأشهر قبل أن يتم إحالتهم إلى المحاكم.
من بين 33 حالة إيقاف ومنع من الطباعة ومصادرة من المكتبات الأكشاك تعرضت لها الصحف، هناك نحو 20 حالة وقعت على خلفية تغطية فعاليات أو أنشطة احتجاجية للحراك الجنوبي. في البداية اشترطت الوزارة عدم نشر أية مواد صحفية عن الجنوب لقاء الحصول على تصريح بالطباعة، وفرضت إجراء الرقابة المسبقة، لمنع أية محاولة لخرق الحصار الحكومي على الأحداث في الجنوب، قبل أن تقرر منع صحف (النداء، الشارع، الأيام، المصدر، الوطني، الأهالي، والديار) كليا عن الصدور.
على ذمة هذه الأحداث استمرت السلطات في تقديم الصحفيين إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، وهي محكمة استثنائية مختصة بقضايا الإرهاب. بين أبريل ومايو 2009، اعتقلت عناصر تابعة لجهاز الأمن السياسي بحضرموت وعدن، الصحفي فؤاد راشد رئيس تحرير موقع المكلا برس، والكاتب صلاح السقلدي، بالإضافة إلى المدون أحمد الربيزي.
بعد التحفظ عليهم في سجون الأمن السياسي بالمكلا بحضرموت وعدن، لشهور، تم نقلهم إلى سجن الأمن السياسي بصنعاء. ومثل الثلاثة لاحقا أمام المحكمة الجزائية بتهم سياسية، كـ"الدعوة إلى الانفصال والتحريض على الوحدة الوطنية، وإثارة النعرات"، وقد وضعوا في السجن بصنعاء لفترة، ومنعت عنهم الزيارة.
لقد واجهت الصحافة العام الفائت أخطر الهجمات التي شنتها السلطات خلال الأعوام الأخيرة، فقد جنحت الحكومة نحو اجترار تاريخ سيئ من الممارسات الشمولية ضد الحريات، حيث كانت تعيش الصحافة تحت هيمنة دوائر الرقابة الحكومية والأمنية المسبقة على النشر، قبل عام 1990. فضلا عن ذلك، فقد مثلت مجمل تلك الإجراءات تهديدا وجوديا للصحافة المستقلة الناشئة، وكبدت العديد منها خسائر مادية كبيرة، وبعضها كان مهددا بالإفلاس والتوقف التام.
ضربت الحكومة عرض الحائط بكل التشريعات التي تمنع إجراءات مماثلة. ومثلت تلك الإجراءات انتهاكا صارخا لقانون الصحافة، وتجاوزا خطيرا يوجب مساءلة الجهة المرتكبة للانتهاك.
زعمت وزارة الإعلام أن إجرءاتها تستند الى مسوغات قانونية تمنح مسؤوليها صلاحية منع طباعة الصحف وإيقافها، "والثابت أن قانون الصحافة والمطبوعات النافذ لا ينتظم نصاً مقرراً لوزير الإعلام سلطة إدارية أو صلاحية قانونية لمنع طباعة صحيفة مرخَّصة. وكانت إجراءات وزارة الإعلام بمنع طباعة الصحف وإيقافها انتهاكاً للحظر القانوني، واعتداءً مادياً على الحق في الإصدار الجاري تقريره بنص المادة 33 من قانون الصحافة والمطبوعات". إن الإجراء الذي مارسته الحكومة على الصحف، يرتب التزاما قانونيا على وزارة الإعلام بالتعويض عن "كافة الأضرار الناشئة عن هذا المنع"؛ وذلك بدفع ما يجبرها من تعويض.
كما أن ذلك يجعل من الملاحقة القضائية للوزارة ثابتا مع "تحقق المسؤولية الجزائية تجاه القائم بالمنع". وذلك ما حرصت النقابة على تأكيده ضمن فعالياتها الاحتجاجية ومواقفها وبياناتها الرافضة لتلك الإجراءات المتجاوزة للقانون.
عادت الوزارة لرفع الحظر عن تلك الصحف لاحقا، باستثناء صحيفة "الأيام" الصادرة من عدن، وهي الصحيفة اليومية الوحيدة بين الصحف التي تعرضت للإيقاف القسري.
خلال العام الفائت دون مرصد الحريات في النقابة، 16 حالة اعتقال طالت صحفيين، معظمها لصحفيين في الجنوب، أثناء تغطية فعاليات احتجاجية للحراك، تخللتها 10 حالات حبس وحجز لصحفيين لمدد متفاوتة كان طرفها قوات الأمن أو السلطات المحلية في بعض المحافظات الأخرى في الشمال.
وجهت وزارة الإعلام طلب تحقيق رسمي مع صحف (النداء، المصدر، الأيام، الشارع، الوطني، والديار) على ذمة تغطية فعاليات للحراك الجنوبي. وخلال نفس العام وصل عدد حالات الاستدعاء للتحقيق أمام نيابة الصحافة والمطبوعات 19 حالة، بينها 6 قضايا أحيلت للمحكمة. معظم الاستدعاءات والمحاكمات كانت على خلفية نشر مقالات وتغطيات اعتبرتها وزارة الإعلام ونيابة الصحافة والمطبوعات "تدعو للانفصال"، أو تنطوي على "تحريض على الكراهية والعصيان المسلح، وإثارة النعرات الطائفية والمناطقية والمساس بالوحدة الوطنية"، أو "الإساءة لرئيس الجمهورية"، وهي تهم خطيرة، حملت تحريضاً ضد الصحافة، حيث وضعتها في موقع المهدد للبلد وأمنه واستقراره، فضلا عن تهديد الصحافة بعقوبات، تؤثر على قدرتها في التعاطي مع الأحداث.
هناك 13 حكما أصدرتها المحاكم ضد صحف وصحفيين، معظمها بتهم "المساس بالوحدة الوطنية وإهانة الرئيس". 10 منها قضت بالإدانة، وتنوعت بين غرامات مالية، ومنع الإصدار مع وقف التنفيذ، وبعضها حمل عقوبات مشددة، بينها المنع من مزاولة العمل، وهي أحكام بمثابة إعدام مهني للصحفيين.
في 16 /1/2010، صدر أول حكم بالسجن على كاتبة يمنية في قضية نشر. ونص منطوق الحكم الصادر على الكاتبة أنيسة محمد علي عثمان بالسجن لمدة 3 أشهر، ومنعها من ممارسة مهنة الصحافة لمدة عام مع النفاذ. كانت أنيسة قد نشرت مقالتين في 2008 بصحيفة "الوسط" الأهلية، أدانت فيهما الفساد والظلم وانتهاكات حقوق الإنسان في اليمن. بسبب ما ورد فيهما وجهت السلطات اتهاما للكاتبة بإهانة الرئيس. ورفضت الصحفية التي تم تغريمها أيضاً بمبلغ 10 آلاف ريال يمني (ما يقارب 50 يورو) التهم الموجهة إليها، ورفضت الاتهام الموجه لها بأنها تمتلك دوافع سياسية من وراء ذلك. وقد لقي الحكم إدانة واسعة، واحتجت نقابة الصحفيين اليمنيين ونظمت اعتصاما في الـ19 من شهر ديسمبر، أمام القصر الرئاسي، مطالبة بوقفه، بعد محاولة أطقم عسكرية النزول إلى مديرية المسراخ، حيث تقيم الكاتبة بمحافظة تعز، للقبض عليها وتنفيذ الحكم.
في 23 مايو 2009، أيدت محكمة الاستئناف بأمانة العاصمة حكما ابتدائيا قضى بإيقاف خالد سلمان رئيس تحرير صحيفة "الثوري" المعارضة، عاما كاملا عن رئاسة تحرير الصحيفة، وكذلك الأمر بالنسبة للصحفي نائف حسان، على ذمة قضية نشر المدعي فيها وزارة الدفاع.
كان سلمان مسؤولا عن صحيفة "الثوري" لسان الحزب الاشتراكي اليمني، حتى طلب اللجوء السياسي لبريطانيا في ديسمبر 2006، وكان ملاحقا بـ14 قضية جميعها بسبب النشر. أما حسان فقد حرمه الحكم الذي تم تنفيذه من ممارسة وظيفته كرئيس تحرير لصحيفة "الشارع" المملوكة له.
وفي 15 يوليو 2009، قضى حكم أصدرته محكمة القبيطة الابتدائية في محافظة لحج، بسجن مراسل صحيفة "الأيام" الأهلية بنفس المحافظة أنيس منصور، 14 شهرا مع النفاذ، بتهمة المساس بالوحدة الوطنية، وإثارة الفتن والمشاركة في تظاهرات غير مرخصة. جاء الحكم على خلفية تغطية الصحفي للفعاليات التي تقيمها جماعات الحراك الجنوبي، وكان جزءاً من محاولة السلطات الضغط على الصحفيين لمنع تغطية الفعاليات الاحتجاجية. تعرض منصور للملاحقة من قبل السلطات التي حاولت القبض عليه لتنفيذ الحكم، وما يزال قيد الملاحقة.
ومع أن محكمة الصحافة والمطبوعات التي أنشئت كمحكمة متخصصة بقضايا النشر، بدأت مهامها بإصدار حكم بالبراءة في قضية مرفوعة ضد صحيفة "النداء"، إلا أنها لم تمهل الصحفيين كثيرا، حيث أصدرت حكما مثّل صدمة للصحفيين، وحمل نذر مواجهة ساخنة تشنها السلطات عبر القضاء، حيث اشتمل الحكم على أكثر من عقوبة ضد صحيفة "المصدر" الأهلية، والكاتب منير الماوري.
في 31 أكتوبر 2009، قضى حكم ابتدائي من محكمة الصحافة بسجن رئيس تحرير صحيفة "المصدر" لمدة عام مع وقف التنفيذ، ومنعه من مزاولة المهنة ورئاسة تحرير الصحيفة لمدة عام، كما قضى نفس الحكم بسجن الكاتب منير الماوري المقيم في واشنطن، عامين مع النفاذ، ومنعه من مزاولة العمل الصحفي (الكتابة) بصفة دائمة حسب منطوق الحكم، بتهمة إهانة رئيس الجمهورية.
لم تتح المحكمة فرصة لاستئناف الحكم، وكان مشمولا بالنفاذ المعجل، ومنعت وزارة الإعلام طباعة الصحيفة أكثر من شهرين بتفسيرات متضاربة للحكم، حيث قالت إنه يمنع جبران حتى من أن يكون ناشرا لصحيفته، ثم عادت وسمحت لها بمعاودة الإصدار بعد تغيير رئيس التحرير بآخر.
هناك انتهاكات مورست بوسائل أخرى كالتهديد عبر الهاتف أو البريد الالكتروني، حيث تم رصد ما لا يقل عن 16 حالة، معظمها تضمنت تهديدات بالتصفية الجسدية لصحفيين، جلها مجهولة المصدر، وأحيانا عبر أرقام قُدمت لوزارة الداخلية، لكنها لم تتعامل معها بجدية، وتجاهلتها دون تقديم أية إفادة عن مصادرها.
بالنسبة للصحافة الالكترونية فلم تكن بأحسن حالا. استمرت السلطات في استخدام طريقة الحجب للمواقع على شبكة الانترنت عن المتصفحين في اليمن، وأحيانا القيام بأعمال قرصنة أدت الى إتلاف محتويات المواقع بصورة كاملة، لاحتوائها على مقالات ومواد صحفية، ناقدة للسلطة، وبعضها مناهض لسياساتها. رصدت التقارير ما لا يقل عن 11 حالة حجب استهدفت مواقع إخبارية مستقلة غالبا. هناك 5 حالات كانت السلطات تقف خلف الحجب بشكل واضح، و3 حالات زعم الفاعلون أنهم ينتمون لجماعة تسمي نفسها "حماة الوحدة"، وهذه المسميات تشير غالبا إلى جماعات مقربة من الحكومة، وتتمثل موقفها المناهض للآراء والأفكار التي تطرحها الأحزاب السياسية المعارضة للحكم.
خلال الأعوام الماضية كثفت السلطات هجمتها الأمنية ضد الصحفيين، حيث استخدمت وسائل غير قانونية للانتقام منهم على ذمة قضايا نشر، ومقالات رأي، كالاختطاف والإخفاء القسري.
لم يكن عام 2009 استثنائيا في هذا الجانب، فقد استمرت السلطات في استخدام ذات الطريقة للتنكيل بالبعض، وكانت أكثر وحشية، إذ عرضت حياة المخطوف للخطر، وامتنعت عن الكشف عن مصيره لفترة طويلة.
في 20 أكتوبر 2009، اعتقلت عناصر أمنية الصحفي صدام الأشموري، أثناء تأدية مهمة صحفية في محافظة مأرب. منفذو الاعتقال يتبعون جهاز البحث الجنائي، وأودع السجن هناك لنحو أسبوع، ونُقل بعدها الى سجن الأمن السياسي بصنعاء. ظل مصير الصحفي مجهولا بالنسبة لأسرته وزملائه طوال فترة الاعتقال، وأفرج عنه لاحقا في 30 أكتوبر. لم توجه له أية تهمة، وبررت السلطات التكتم على الواقعة بأنها "لحماية الصحفي".
النموذج الأكثر تنكيلاً
في 17 سبتمبر 2009، اختطف مسلحون الصحفي محمد المقالح، وهو رئيس تحرير موقع الاشتراكي نت. ونفت السلطات الأمنية مرارا معرفتها بمصيره، وكذلك النائب العام، قبل أن يتم الكشف عن جريمة اختطافه، وتبين أن خاطفيه هم عناصر تابعة لجهاز أمني يتبع رئاسة الجمهورية. وعوض الإفراج عنه ومحاسبة المتورطين في العملية، أحيل إلى النيابة الجزائية في 30/1/2010، استمرارا لمسلسل ترويع بدأ منذ لحظات خطفه.
خلال فترة إخفائه، لم تسلم أسرته من التعذيب النفسي، وأحيانا تعرض بعض أفرادها للاعتداء، وأخضع هو لحملة إيذاء نفسي وجسدي ممنهجة، فقد عرضه خاطفوه للإعدام الوهمي مرتين، وأطلق الرصاص إلى جواره، وضُرب، وظل حبيسا معصوب العينين، في مكان بمنطقة خالية من السكان خارج العاصمة.
طوال نحو 4 أشهر ونصف استمر خاطفوه في تعريضه للأذى والذعر بوحشية، بينما تفننت الأجهزة الأمنية في التلاعب بمصيره وتوجيه رسائل متضاربة بهذا الشأن، وهو ما عرض أسرته والوسط الصحفي لسلسلة مؤلمة من التعذيب النفسي. تعرض بعض أفراد عائلته من النساء للضرب أثناء محاولتهن معرفة مصيره، وتنفيذ وقفة احتجاجية أمام جهاز الأمن القومي.
ارتكب الخاطفون بحق المقالح سلسلة جرائم وحشية، فبالإضافة إلى جريمة الاختطاف، التي يعاقب عليها الدستور والقانون، أخفي قسريا لأشهر، وأخضع لصنوف من التعذيب بصورة وحشية، وعرضت حياته للخطر، لكن الخاطفين لم يخضعوا للعقاب، بل استمرت السلطات في ممارسة التنكيل بالصحفي المخطوف، وجرى إحالته إلى النيابة ومن ثم المحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب، وهي محكمة استثنائية قدم قانونيون طعنا بعدم دستوريتها، وأحيانا رفض محامون الترافع أمامها.
أخطر من ذلك أن النيابة قدمت المقالح الى المحكمة، وزعمت أنها أصدرت مذكرة للقبض على الصحفي رغم أن النائب العام نفى أكثر من مرة إصدار أية مذكرة اعتقال، وهو ما يؤكد بشكل فاضح حدوث عملية تكييف قانونية لاحقة للجريمة، واستمرار السلطة في استخدام القضاء للانتقام السياسي. برغم ذلك فقد مثلت مزاعم النيابة في هذا الجانب اعترافا ضمنيا بارتكاب جرائم الاعتقال خارج القانون، والخطف وتعريض حياة مواطن للخطر بما يوجب مساءلة مرتكبيها حتى إن كان الفاعل جهة تمتلك صلاحية الضبط القضائي.
لقد جردت السلطات المقالح من كافة حقوقه القانونية والدستورية، وواصلت ذلك بتقديم الصحفي للمحاكمة بتهمة "نشر أخبار مغرضة.. وإثارة وإلقاء الرعب بين الناس بما يضر بالمصلحة العامة"، وهي تهم تتعلق بمهنته كصحفي، وليس لها ما يسندها من الأدلة والحجج، وملفقة، كما يؤكد محامي الصحفي، وذات طابع سياسي.
في أول جلسة محاكمة يوم 23/2/2010، قرر الصحفي المقالح مقاطعة المحكمة، ورفض الاعتراف بشرعيتها، وطلب من محاميه الانسحاب من الترافع في القضية، كون المحكمة أصبحت خصما له.
بعد الكشف عن مصيره وُضع المقالح في سجن الأمن السياسي، وتعرض للضرب على يد ضابط في جهاز الأمن السياسي أثناء نقله إلى جلسة المحاكمة. ولاحقا قال المقالح إن القاضي أمر بتعذيبه، وقد منعت عنه السلطات الزيارة، وتدهورت حالته الصحية حيث كان يعاني من مرض الكلى والسكر، قبل أن يتم الإفراج عنه في 24 مارس 2010، لظروفه الصحية، بينما استمرت المحكمة في النظر في التهم الموجهة إليه، وواصلت عقد جلسات محاكمة للصحفي، دون اعتبار للانتهاكات الجسيمة التي مورست بحقه.
قمع الصحافة المستقلة: حالة "الأيام"
في الـ13 من مايو 2009، فرضت قوات أمنية حصارا على مقر الصحيفة بعدن، بعد سلسلة مضايقات هدفت الى منع الصحيفة من التعامل مع الاضطرابات التي تشهدها المحافظات الجنوبية. لم يتمكن الصحفيون يومئذ من مغادرة المبنى، حيث وقع تبادل لإطلاق النار بين الأمن وحراس مسلحين يتبعون الصحيفة. وقد أدى الاشتباك الى مقتل موظف وإصابة عدد من الموجودين خارج المبنى بجروح. جاء ذلك بعد استدعاء ناشر ورئيس تحرير الصحيفة هشام باشراحيل، على خلفية حادثة قتل وقعت عام 2008، حينما حاول مسلحون السيطرة على مقرها بصنعاء. وقد أحيتها السلطات كجزء من ضغوط عديدة لمنع الصحيفة من تغطية أحداث الجنوب. قبل التصعيد الذي مارسته السلطات في مايو، كانت الصحيفة تعرضت لسلسلة مضايقات، حيث جرى التقطع لسيارة توزيع الصحيفة على يد من يطلقون على أنفسهم "لجان الدفاع عن الوحدة"، وقد أحرقت كميات كبيرة من نسخ الصحيفة وهي في طريقها الى نقاط البيع في بعض المحافظات. وتطور الأمر لاحقا بفرض حصا ر أمني على مقر الصحيفة لمنعها من الطباعة.
وضمن عدد من الصحف الأهلية التي أوقفتها وزارة الإعلام، مُنعت صحيفة "الأيام"، وهي من أكثر الصحف انتشارا، عن الصدور على ذمة نفس السبب: تغطية فعاليات الحراك الجنوبي. وبينما عاودت بقية الصحف الإصدار، استمر وضع الصحيفة تحت الإغلاق القهري، وتعرضت لعديد انتهاكات أدت الى تكبيد الصحيفة وناشرها خسائر مادية كبيرة، تقدر بمئات الملايين.
بعد احتجازه بالسجن أكثر من شهرين، أفرجت السلطات عن هشام باشراحيل، وشُكلت لجنة حكومية لمعالجة مشكلة الصحيفة، لكن التصعيد ضدها لم يتوقف. ففي بداية شهر يناير 2010 حاصرت قوات أمنية مجددا مبنى الصحيفة، حيث كان يجري اعتصام تضامني معها وناشرها، وجرى تبادل لإطلاق النار بين حراس الصحيفة وقوات الأمن. وقال شهود عيان إن القوات الأمنية هي من بادرت بإطلاق النار، وفعلت ذلك بشكل عشوائي طال منازل مجاورة للمبنى، على نحو أثار الذعر في صفوف المواطنين.
وقُتل في الحادثة مدني، وجُرح آخرون كانوا جوار المبنى، واقتحمت قوات الأمن مقر الصحيفة، حيث اعتقلت بالإضافة الى ناشرها وابنيه هاني، ومحمد باشراحيل، المدير الإدراي للصحيفة.
في السجن ساءت صحة باشراحيل، وهو رجل في السبعينيات من عمره، ويعاني عديد أمراض، وجرى الإفراج عنه في 24 مارس، لأسباب صحية، بينما أبقت السلطات على نجليه.
لدى باشراحيل قضية منظورة في المحكمة على خلفية حادثة قتل وقعت عام 2008، عندما زعم مسلحون أن الأرضية التي يقع فيها مقر صحيفة "الأيام" بصنعاء، تتبع ضابطا في الأمن، وحاولوا الاستيلاء عليها بالقوة. ووقع تبادل لإطلاق النار مع حراسة الصحيفة أدى الى مقتل شخص.
ووجهت له السلطات منتصف أبريل استدعاءً للمثول أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، في قضية حركتها السلطات على خلفية حادثة تبادل إطلاق النار الأخيرة التي وقعت في يناير 2010.
تشريعات لفرض المزيد من القيود
وبينما راحت السلطات تشن حملة تضييق في الميدان، شنت حملة أخرى موازية لفرض المزيد من القيود في جانب التشريعات. واجهت الحكومة مبادرات لبعض أعضاء مجلس النواب لسن قانون يكرس حق الحصول على المعلومات، بقانون آخر مليء بالقيود، دفعت به الى مجلس النواب.
انحازت مسودة مشروع المبادرة إلى جانب الحق في الحصول على المعلومات، ليس للصحفيين وحدهم، وإنما لجميع المواطنين، بما يخدم فكرة الشفافية، ومبدأ المحاسبة العامة، لكن الحكومة هرعت إلى تقديم مشروع بديل اهتم بوضع العوائق أمام هذا الحق، ووضع مصفوفة محظورات تحول دون التعامل مع بعض المعلومات، ولم يخلُ من مزايا، لكنها كانت قليلة مقابل حزمة المحاذير.
دعمت النقابة مشروع المبادرة، وساهمت في تنظيم ورش العمل والمشاركة في النقاشات التي كُرست للقانون.
أدرج القانون ضمن مجموعة من مشاريع القوانين التي يعتزم البرلمان مناقشتها، لكن الحديث بشأنه خفت مع وجود موقف حكومي مناهض لفكرة إتاحة المعلومات للرأي العام، ومنح المزيد من الحريات للصحافة والمواطنين.
خلال العام الفائت 2009، وعد الرئيس علي عبدالله صالح بإصلاحات تشريعية تتيح مزيدا من الانفتاح الإعلامي، من خلال السماح بامتلاك إعلام سمعي وبصري، بالإضافة إلى وعوده السابقة بشأن إلغاء المواد التي تعاقب الصحفيين بالحبس في قضايا نشر. ولم تنتقل تلك الوعود إلى المرحلة التالية، وعوض تنفيذها هناك مشاريع قوانين ومشاريع تعديلات لمواد قانونية تمثل ردة الى زمن السيطرة الحكومية على الإعلام، وتضاعف العقوبات في قضايا النشر.
أعدت الحكومة مشروع قانون الإعلام المرئي والمسموع، تمهيدا لمناقشته، وتمريره عبر مجلس النواب. يتيح القانون للمرة الأولى حق امتلاك قنوات تلفزيونية وإذاعية، كما يتطرق للمرة الأولى الى تنظيم عمل المواقع الإخبارية والصحافة الالكترونية.مع ذلك فقد حصر هذا الحق على الأفراد والمؤسسات فحسب، ومنعه عن الجماعات السياسية، كما اشترط مبالغ مالية كبيرة لقاء منح تراخيص عمل، فهو يشترط دفع مبلغ 20 مليون ريال للحصول على ترخيص موقع إخباري، و10 ملايين لقاء ترخيص عمل قناة تلفزيونية أو إذاعية، ويمنع "انتقاد رئيس الدولة".
ورفضت النقابة مشروع القانون، ودعت كل الفعاليات لإسقاطه.
وفي إطار مساعي فرض المزيد من القيود، أحيت الحكومة مشروع تعديل على قانون الصحافة والمطبوعات، طرحته الحكومة في 2005 ورفضته النقابة. تزعم الحكومة أن المشروع يلغي عقوبة الحبس المنصوص عليها في القانون النافذ رقم 25 لعام 1990، وفي الحقيقة فإن مشروع القانون الجديد يجعل من عقوبة الحبس الإجراء الوحيد المؤكد، حيث يفرض عوض الحبس غرامات مالية تصل إلى 100 ألف دولار، وهي غرامات هائلة ستقود صاحبها الى السجن لا محالة.
وهناك مشروع تعديلات على مواد في قانون العقوبات والإجراءات الجزائية، خاصة بقضايا النشر، تسعى الحكومة لاستبدالها بأخرى أكثر تشددا للحد من مساحة نقد سياسات الحكومة وكبار مسؤولي الدولة. تعكس هذه المساعي خطط الحكومة للسيطرة على الصحافة والحد من قدرتها على التأثير.
النقابة
تنشط نقابة الصحافيين عضوة الاتحاد الدولي للصحفيين والصحفيين العرب، ككيان يعكس التمثيل المتنوع للصحافة في اليمن، تدافع عن حقوقهم كما يقرر النظام الأساسي للنقابة.
باستمرار دانت النقابة بشدة كل الانتهاكات، ورفضت معظم السياسات الحكومية التعسفية، وعملت مع الصحفيين على التصدي لتلك الممارسات، وعملت على توفير المساعدة القانونية عند الحاجة لبعض الحالات.
تبنت النقابة عديد وقفات احتجاجية مناهضة للانتهاكات، وضغطت على السلطات لمحاسبة المتورطين بارتكابها وتقديمهم للمحاكمة.
ونشطت النقابة بصور عديدة في مواجهة الحرب الشرسة على الصحافة، ما شكل عاملا ضاغطا في التخفيف من ضراوة الإجراءات التعسفية ولجمها.
تفرض اللائحة الداخلية على قيادة النقابة التصدي لأية محاولات حكومية لفرض المزيد من القيود على حرية الصحافة، بما في ذلك المحاولات الحكومية المستمرة للهيمنة على الحريات من خلال القوانين السالبة للحريات الإعلامية والصحفية. بوسائل مختلفة تقود النقابة اتجاهاً مناهضا لمشاريع قوانين كقانون الإعلام المرئي والمسموع الذي تسعى الحكومة لتمريره عبر مجلس النواب، بالإضافة إلى رفض التعديلات على قانون الصحافة والمطبوعات. كذلك الأمر بالنسبة للتعديلات المزمعة في قانوني الإجراءات الجزائية والعقوبات. في فترات مختلفة من العام الفائت، قادت النقابة نقاشات ومداولات بشأن مشروع قانون جديد للصحافة تعده النقابة بالتعاون مع منظمات إقليمية ودولية ليكون بديلا للقائم، يتيح حرية ومجالا أكبر لنشاط الصحافة. بالتعاون مع منظمة إيريكس عقدت النقابة عدداً من الورش داخل اليمن وخارجها بهذا الخصوص، هدفت الى إعداد قانون بديل للصحافة يلبي تطلعات الصحفيين، ويؤمِّن بيئة مواتية ومحفزة للمهنة على كافة المستويات.
كما عملت النقابة على إنجاز التوصيف الوظيفي.

